ليست كل الزلازل من فعل الطبيعة؛ فبعضها يبدأ حين تقرر أمة أن تنهض، فتضطرب حولها خرائط المصالح، وتكتشف عواصم اعتادت امتيازات الجغرافيا أن التاريخ لا يعترف بحقوقٍ مكتسبة في المستقبل.
في الخامس والعشرين من أبريل 2016، لم تعلن السعودية رؤيةً اقتصادية فحسب، بل أعلنت نهاية معادلةٍ إقليمية استقرت لعقود؛ معادلة كانت فيها المملكة سوقاً عظيمة، بينما تستقر في مراكز أخرى مقار الشركات، ومفاتيح التجارة، وصناعة الإعلام، وحركة السياحة، ومنصات الفعاليات الكبرى.
ثم جاء التحول الذي لم يكن في حسبان كثيرين.
أصبحت الرياض تستقطب المقرات التي اعتادت عواصم أخرى استضافتها؛ فتجاوز عدد تراخيص المقرات الإقليمية للشركات العالمية 700 ترخيص بنهاية 2025. وبلغ عدد السياح المحليين والوافدين نحو 123 مليوناً، بإنفاق قارب 304 مليارات ريال في العام نفسه.
وفي الصناعة والتجارة، بلغت الصادرات غير النفطية، شاملة السلع وإعادة التصدير والخدمات، نحو 624 مليار ريال، فيما عبر مطارات المملكة 140.9 مليون مسافر خلال 2025.
وامتد التحول إلى الإعلام والإنتاج والترفيه، وإلى سباق الموانئ والخدمات اللوجستية، ثم إلى استضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034.
وهكذا لم تعد السعودية تنافس على نصيبٍ من السوق فحسب، بل على موقعها في صناعة السوق ذاتها.
وهنا تكمن الحكاية التي لا تُروى في البيانات الدبلوماسية.
فحين تتحول أكبر أسواق المنطقة إلى منافسٍ على مقار الأعمال والسياحة والصناعة والإعلام والتجارة، فإنها لا تضيف لاعباً جديداً إلى المشهد؛ بل تغيّر قواعد اللعبة، وتفرض على الآخرين إعادة حساباتهم.
وليس ضرورياً أن يخسر المنافس حتى يقلق؛ يكفي أن يرى امتيازاً ظنه دائماً وقد أصبح قابلاً للمنافسة.
فأقسى ما تواجهه المراكز القديمة ليس صعود مركزٍ جديد، بل سقوط الوهم بأن الجغرافيا منحتها احتكار المستقبل.
ولا يعني ذلك اتهام أحدٍ بعداء، أو الجزم بما تضمره العواصم؛ فالمنافسة حقيقة تقيسها الأرقام، أما النوايا فلا تثبتها الظنون.
غير أن للنهضات الكبرى آثاراً تتجاوز دفاتر الاقتصاد؛ فهي تعيد توزيع الفرص، وتبدّل موازين النفوذ، وقد توقظ حساسياتٍ نامت طويلاً تحت أغطية المجاملات.
وهنا أقول للمواطن السعودي:
لا تنظر إلى رؤية وطنك باعتبارها مشروعات تُشيَّد، وأرقاماً تُعلَن، وفعاليات تُقام؛ بل انظر إليها باعتبارها تحولاً عميقاً في موازين المصالح من حولك.
افهم أن كل مقر عالمي تستقطبه الرياض، وكل صناعة توطنها المملكة، وكل سائح تختار وجهته أرضك، وكل طريق تجاري يجد في بلادك مركزاً جديداً، إنما يغيّر معادلةً اقتصادية كانت قائمة، ويعيد توزيع فرصٍ اعتاد آخرون الاستفادة منها.
وحين تتبدل المصالح، قد تتبدل معها المواقف، وقد تشتد المنافسة، وقد تظهر خلافات لم تكن ظاهرة حين كانت المكاسب موزعةً على نحو مختلف.
ولذلك أراهن على وعيك؛ أن تقرأ ما وراء الأحداث دون أن تستسلم للظنون، وأن تفهم المصالح دون أن تختلق الخصومات، وألا تخلط بين ابتسامة الدبلوماسية وضمانة المواقف، ولا بين الاختلاف والعداء.
فليس الوعي الوطني أن نرى في كل منافسٍ عدواً، ولا أن نعتقد أن كل خلافٍ مؤامرة؛ وإنما أن ندرك أن نهضةً بهذا الحجم لا تقع في فراغ، وأن من يغيّر قواعد اللعبة عليه أن يفهم كيف سيعيد الآخرون ترتيب أوراقهم.
كن واثقاً بوطنك، يقظاً لمصالحه، عصياً على التضليل؛ فالمواطن الواعي لا يحتاج إلى اختراع الأعداء كي يدرك قيمة وطنه، ولا إلى إنكار التحديات كي يثق بمستقبله.
ولعل أكثر ما يميز التحول السعودي أنه لم يطلب من الآخرين التنازل عن مواقعهم، بل قرر أن يصنع لنفسه موقعاً يستحقه.
والفرق شاسع بين أمةٍ تعيش على ما يمنحه لها موقعها، وأمةٍ تصنع بمشروعها قيمةً جديدة لموقعها.
لم تتغير حدود السعودية منذ أعلنت رؤيتها، لكن حدود طموحها اتسعت، فتغيرت معها حسابات المنطقة.
فبعض الدول يقلقها أن تفقد مكانتها، وبعضها قد يقلقها أن يكتشف الآخرون مكانتهم.
وهكذا، لم تحتج السعودية إلى إزاحة أحدٍ عن الخريطة…
يكفي أنها نهضت، حتى اضطر الآخرون إلى إعادة قراءتها.
شارك المقالة
التعليقات (1)
ابو حاتم السحماني
كلام جميل وواقع نعيشه وإلى الامام السعوديه العضمى
١٧/١٠/٢٠٢٦
السعودية التي اربكت حسابات الجغرافيا…. | سلطان بن حبيب
التعليقات (1)
كلام جميل وواقع نعيشه وإلى الامام السعوديه العضمى
١٧/١٠/٢٠٢٦