إلى المواطن السعودي الذي يتابع الأخبار، ثم ينظر إلى وجوه أطفاله ويطيل التفكير: اطمئن. فلهذا الوطن تاريخ يستحق أن تستحضره كلما حاولت الأحداث أن تحصر رؤيتك في خبر عاجل. أعرف أن القلق على الوطن يختلف عن كل قلق. أنت تفكر في بيتك، وأهلك، ورزقك، وفي الحياة التي تحبها وتريد لها أن تستمر. لكن السعودية التي تراها اليوم لم تصل إلى مكانتها عبر طريق خالٍ من الأخطار. وراء هذا الأمن أجيال من الرجال والنساء، وقرارات صعبة، وأزمات كان بعضها، في نظر من عاصروها، أكبر من أن تُحتمل. فلنرجع قليلًا إلى البداية. حين بدأ الملك عبدالعزيز، رحمه الله، مسيرة استعادة الرياض عام 1902، وصولًا إلى إعلان توحيد المملكة عام 1932، كانت موارد البلاد محدودة، وكانت أجزاء واسعة منها تعاني الفقر وشح الماء وقسوة العيش وتفرق السلطة. لم تكن عائدات النفط قد صنعت التحول الذي عرفته الأجيال اللاحقة. كانت المهمة الأولى أن تقوم دولة تجمع الناس، وتؤمّن الطرق، وتفتح أمامهم بابًا لحياة أكثر استقرارًا. تأمل هذه البداية كلما شعرت بأن التحدي الراهن أكبر من قدرة الوطن: لقد بدأ المؤسس في ظروف أشد قسوة، وبإمكانات أقل كثيرًا، واستطاع بتوفيق الله، ثم بعزيمته وحسن تدبيره والتفاف الناس حوله، أن يجمع هذه البلاد تحت راية واحدة. ثم توالت الاختبارات على الدولة التي بناها. في الخمسينيات والستينيات، اشتد المد القومي بقيادة جمال عبدالناصر، واحتدمت الخلافات السياسية والإعلامية مع المملكة. ومع اندلاع حرب اليمن عام 1962، أصبح التنافس الإقليمي أقرب إلى حدودها وأكثر خطورة. كان زمنًا تعلو فيه خطب التغيير، وتتساقط فيه أنظمة، وتُرسم فيه توقعات متعجلة لمستقبل المنطقة. حافظت المملكة على كيانها، ثم جاءت نكسة يونيو 1967 بما حملته من هزيمة عربية وصدمة عميقة. وفي تلك اللحظة، اتسع الموقف السعودي لتجاوز الخلافات والمساهمة في دعم الدول العربية المتضررة. كان الحفاظ على المصالح الكبرى يقتضي قدرة على المصالحة، وعلى التمييز بين خلاف الأمس ومسؤولية اليوم. وفي حرب أكتوبر 1973، واجهت المملكة اختبارًا آخر. اتخذ الملك فيصل، رحمه الله، موقفًا حازمًا في دعم القضية العربية، وشاركت السعودية في الحظر النفطي على الولايات المتحدة ودول أخرى مؤيدة لإسرائيل. كان قرارًا ثقيلًا، ترتبت عليه ضغوط وتوترات دولية، واتخذته قيادة تعرف وزن بلادها وتتحمل مسؤولية خياراتها. وعبرت المملكة تلك المرحلة محتفظة بسيادتها ومكانتها. ثم جاء عام 1979، ووقعت فتنة جهيمان واحتلال المسجد الحرام. كانت صدمة في أقدس مكان، وجرحًا أصاب وجدان السعوديين والمسلمين. واجهت الدولة الفتنة وأنهتها، واستعادت حرمة المكان وأمنه، مع ما حملته المواجهة من تضحيات وآلام. وفي العام نفسه، قامت الثورة الإيرانية، ثم اندلعت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، واستمرت ثماني سنوات. عاش الخليج زمنًا طويلًا من التوتر والخوف على الملاحة والمنشآت والاستقرار. واستمرت المملكة في إدارة شؤونها وبناء مؤسساتها وسط إقليم تتسع فيه دائرة النار. وحين انتهت تلك الحرب، لم تنتهِ الأخطار. تعاظمت قوة صدام حسين العسكرية، ثم وقع غزو الكويت في أغسطس 1990. يتذكر من عاش تلك الأيام كيف بدا التهديد قريبًا، وكيف دخل القلق إلى البيوت، وكيف أصبحت الصواريخ خبرًا يسمعه الناس وهم يفكرون في سلامة أبنائهم. اتخذ الملك فهد، رحمه الله، قرارات حاسمة لحماية المملكة، واستقبلت البلاد الكويتيين، وأسهمت في التحالف الذي انتهى بتحرير الكويت. تحملت السعودية مسؤولية ثقيلة، وخرجت من تلك المحنة محافظة على أرضها ودولتها، وبقيت الكويت لأهلها. ثم تبدلت طبيعة التحدي. بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001، واجهت المملكة ضغوطًا واتهامات وحملات تشكيك واسعة. وأصبح عليها أن تدافع عن صورتها وعلاقاتها، وأن تواجه خطر التطرف والإرهاب في الوقت نفسه. ثم جاء غزو العراق عام 2003، وما أعقبه من اضطراب إقليمي طويل، بالتزامن مع موجة اعتداءات إرهابية داخل المملكة. كانت سنوات مؤلمة، دفع فيها رجال الأمن والمواطنون والمقيمون أثمانًا غالية. واجهت الدولة التنظيمات الإرهابية، وفككت خلايا، وطورت قدراتها، واستمر المجتمع في حياته وعمله. وكلما حاول الإرهاب أن يجعل الخوف نظامًا للحياة، وجد أمامه دولة ومجتمعًا يرفضان تسليمه المستقبل. وفي عام 2011، اجتاحت المنطقة أحداث الربيع العربي. حملت بداياتها مطالب وآمالًا، ثم انزلقت دول إلى حروب وانقسامات وانهيار مؤسسات. كانت المملكة أمام محيط يتغير بسرعة، وأخطار تتجاوز الحدود. وحافظت، بفضل الله ثم بقيادتها وتماسك مجتمعها، على استقرارها واستمرار مؤسساتها. وفي عام 2015، بدأت عاصفة الحزم، ودخلت المملكة مرحلة جديدة من مواجهة التهديد الحوثي وتداعيات الحرب في اليمن. تحملت قواتنا المسلحة وقوات الدفاع الجوي وأهالي المناطق الحدودية مسؤوليات وتضحيات يعرف السعوديون قدرها. وما زال هذا الملف يذكّرنا بأن حماية الوطن عمل متواصل، وأن وراء الطمأنينة رجالًا يسهرون ومؤسسات تستعد وتتعلم. ثم جاءت كورونا عام 2020. هذه المرة، دخل الخوف إلى العالم كله. توقفت حركة الطيران، وأغلقت مدن، ووجد الناس أنفسهم أمام خطر لا يرونه. واتخذت المملكة إجراءات صعبة لحماية الصحة العامة، شملت قيودًا مبكرة على السفر والعمرة. عشنا القلق والفقد، وبذل العاملون في الصحة وسائر القطاعات جهودًا كبيرة، ثم عادت الحياة تدريجيًا، وحملنا معنا خبرة جديدة في مواجهة الأزمات. ولم تكن هذه كل الاختبارات. عرفنا تقلبات النفط، وضغوط الاقتصاد، وحملات التشكيك، وتبدل مواقف الحلفاء. ومع ذلك، ظلت هذه الدولة قائمة، وظلت مؤسساتها تتطور، وظل أبناؤها يتعلمون ويعملون ويبنون. هذه هي الذاكرة التي ينبغي أن تحضر معك وأنت تقرأ أخبار اليوم. لقد حفظ الله هذه البلاد عبر محن كثيرة، وهيأ لها قيادة تحملت مسؤولية القرار، وشعبًا عرف قيمة وحدته. وتعاقب الملوك من أبناء المؤسس، يحمل كل منهم أمانة الدولة في ظروف عصره، حتى عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان. وحكمة القيادة تظهر في تقدير الموقف: متى تحزم، ومتى تفاوض، وكيف تحشد الشركاء، وكيف تصون القرار الوطني. وقد لا تتضح للمواطن جميع الحسابات في لحظة الحدث؛ فالقرارات الكبرى تحمل مسؤولية ما سيأتي بعدها، وتحتاج إلى معلومات لا تختصرها الشاشات. وحين نستحضر ما تجاوزناه، فإننا نحفظ أيضًا حق الذين ضحوا من أجل هذه البلاد. لم تعبر المملكة أزماتها بلا ألم، ولم يكن استقرارها أمرًا يحدث من تلقاء نفسه. خلفه شهداء، وجهود، وموارد، وعمل طويل. لذلك تبدو الثقة بتاريخها أكثر رسوخًا حين نعرف الثمن الذي دُفع لصيانتها. أيها السعودي، خذ بالأسباب، والتزم التعليمات الرسمية، وتثبت مما تنقله، وواصل عملك. اسمح لنفسك أن تقلق، ثم امنح ذاكرتك فرصة أن تجيب هذا القلق. تذكر كم مرة بدا المشهد قاتمًا، ثم انفرج. وكم مرة ظن متعجل أن المملكة أمام نهايتها، فإذا بها تواصل البناء بعد أن انقضت نبوءته. بلادك تحمل خبرة طويلة في البقاء، وتملك اليوم قدرات ومؤسسات وأبناء لم يكونوا متاحين لها في بداياتها. ولها، قبل ذلك وبعده، رب نسأله أن يحفظها، وقيادة تتحمل أمانتها، وشعب يعرف أن هذا الوطن أغلى من أن يُترك للخوف والشائعة. اطمئن، واحمد الله على وطنك، وكن جزءًا من قوته. فالدولة التي بنت الحياة في زمن الفقر، وحفظت وحدتها في زمن الانقسامات، وعبرت هذا التاريخ الطويل من المحن، تمنح أبناءها أسبابًا راسخة للثقة بأن القادم، بإذن الله، يتسع للأمن والعمل والحياة.