كان بين البيتين سور منخفض.
منخفض إلى الحد الذي يسمح بتبادل السلام كل صباح،
وعالٍ بما يكفي كي لا يرى كل واحد ما يُعدّه الآخر بعد الغروب.
في البداية، لم يكن في الأمر ما يلفت النظر.
جاران.
طريق واحد.
سماء واحدة.
وذكريات كثيرة تجعل الناس يظنون أن الجيرة القديمة تكفي وحدها لضمان المستقبل.
لكن المستقبل، كعادته، لا يحترم الظنون.
كان البيت الأول واسع الفناء.
قديمًا بما يكفي ليعرف أن الاتساع لا يحتاج إلى إعلان.
وكان البيت الآخر أكثر انشغالًا بالمرآة.
لا يسأل نفسه:
هل أنا بخير؟
بل يسأل:
كيف أبدو إذا وقف جاري بجانبي؟
وهنا تبدأ أحيانًا الحكايات التي لا يحب أحد أن يسميها.
فالغيرة لا تدخل من الباب وهي تقول:
أنا الغيرة.
تدخل في ثوب النصيحة.
تجلس بأدب.
تثني على نجاحك.
ثم تسألك، بنبرة بريئة جدًا:
وهل تحتاج فعلًا إلى كل هذا النجاح؟
كان صاحب البيت الأكبر منشغلًا بترميم داخله.
يهدم غرفة قديمة.
يفتح نافذة جديدة.
يوسع مجلسًا.
يزرع شجرة.
ويعيد ترتيب الأشياء على نحو لم يعتده من حوله.
أما الجار فكان يتابع.
في البداية بإعجاب.
ثم باهتمام.
ثم بدقة.
ثم بذلك النوع من الصمت الذي لا يشبه الصمت.
قيل لرجل حكيم مرة:
— كيف تعرف أن العين لم تعد تنظر إليك بمحبة خالصة؟
قال:
— حين تبدأ في عدّ خطواتك.
لم يكن أحد يستطيع أن يقول إن بين الجارين خصومة.
بل إنهما كانا يتبادلان المجاملة بإتقان.
وحين يلتقيان، تبدو الصور جميلة.
والعبارات أجمل.
والابتسامات محسوبة إلى الدرجة التي تجعل الشك نفسه يبدو قليل الأدب.
لكن العيون، للأسف، لا تتعلم البروتوكول كاملًا.
تبقى فيها أشياء لا تعرف كيف تخفي نفسها.
مع الوقت، بدأ الجار الأصغر يهتم كثيرًا بالأماكن المحيطة بالبيت الكبير.
ليس البيت نفسه.
فذلك سيكون فجًّا.
بل ما حوله.
ذلك الممر الذي يمر به الضيوف.
تلك البقعة التي يراها صاحب البيت كل صباح.
ذلك المجلس البعيد الذي قد يؤثر يومًا في ترتيب المقاعد.
وتلك الزاوية التي تبدو عديمة القيمة…
حتى يأتي يوم تحتاجها فيه.
الأذكياء لا يحاولون اقتلاع الشجرة دائمًا.
أحيانًا يكتفون بمحاولة تغيير اتجاه ظلها
قال رجل:
— ولماذا يفعل جار ذلك؟
قال آخر:
— لأنه لا يريد بيتك.
هو يريد فقط أن يعرف أنك لن تبني طابقًا أعلى من طابقه.
وهذا فرق كبير.
فالطمع مفهوم.
له شكل واضح.
أما الضيق من اتساع الآخر، فهو أكثر تعقيدًا.
لا يريد منك شيئًا محددًا.
يريد فقط أن تكون أقل قليلًا.
أهدأ قليلًا.
أبطأ قليلًا.
وألا تمضي بعيدًا قبل أن يقرر هو إن كان مرتاحًا للمسافة.
في بعض العلاقات، لا تبدأ المشكلة حين يكرهك الآخر.
بل حين يراك أكبر من الصورة التي رسمها لك في ذهنه.
كان يحبك جيدًا…
ما دمت في الحجم الذي اعتاده.
وهنا تصبح المجاملة أكثر كثافة.
كلما زاد القلق، زاد الثناء.
كلما اتسعت المسافة في الداخل، اقتربت المقاعد في الخارج.
وهذه واحدة من غرائب البشر:
أشد الكلمات دفئًا قد تُقال أحيانًا فوق أبرد الطاولات.
لم يكن صاحب البيت الكبير غافلًا.
لكنه لم يكن يحب أن يسمي الأشياء قبل أن تكتمل.
فالبيت العريق يعرف أن الضجيج يمنح التفاصيل الصغيرة حجمًا لا تستحقه.
لذلك كان يراقب.
ويترك.
ويحسب.
ويمضي.
قال له أحدهم:
— ألا ترى ما يفعله جارك؟
قال:
— أراه.
— ولماذا لا ترد؟
قال:
— لأن ليس كل ما يُرى يستحق جوابًا.
— وإذا استمر؟
ابتسم.
— حين يستحق الجواب، لن يحتاج إلى مقدمة.
هذه هي المشكلة مع البيوت التي اعتادت العمر الطويل.
أنها لا تنفعل سريعًا.
وذلك يربك البيوت التي تقيس النجاح بردة الفعل.
فالجار الذي يحاول استفزازك لا يكتفي بما يفعله.
ينتظر كذلك أن يراك تتألم.
فإذا لم تمنحه المشهد، خسر نصف متعته.
ومع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن المسألة لم تعد تنافسًا على الجمال.
فالتنافس الشريف يقول:
سأجعل بيتي أجمل.
أما التنافس الآخر فيقول:
سأقنع الزائر بأن بيت جاري أقل جمالًا مما يظن.
وهنا يفترق الطريقان.
الأول يبني.
والثاني يشرح للناس لماذا يجب ألا يعجبهم ما بُني.
ومع ذلك، لم ينقطع السلام بين البيتين.
وهذا أجمل ما في الحكاية وأصعب ما فيها.
فالعلاقات الناضجة لا تحتاج دائمًا إلى كسر الأبواب حتى تثبت وجود الخلاف.
يكفي أن يصبح كل طرف أكثر حذرًا في اختيار كلماته.
وأدق في قراءة صمت الآخر.
وأقل استعدادًا لأن يترك مفاتيحه فوق الطاولة.
في يوم ما، قال الجار:
— لماذا أصبحت حذرًا؟
أجابه صاحب البيت الكبير:
— لأنك أصبحت فضوليًا.
قال:
— أنا فقط أهتم بك.
ابتسم.
— أعرف. ولهذا أصبحت أكثر حذرًا.
ليست كل العداوات صاخبة.
بعضها مهذب جدًا.
يرتدي ثوبًا أنيقًا.
يتحدث بهدوء.
ويقول لك كل صباح:
يسرني نجاحك.
ثم يعود مساءً ليفكر كيف يبقى نجاحك تحت السقف الذي يناسبه.
لكن المشكلة في السقوف التي يرسمها الآخرون…
أنها تنهار حين يقرر البيت أن يكبر.
والمشكلة الأكبر في من يقيس نفسه بجاره، أنه يظل طوال عمره مربوطًا بحركة غيره.
إن تقدم الجار، ارتبك.
إن نجح، انشغل.
إن كبر، أعاد ترتيب حساباته.
وفي النهاية، لا يعيش حياته.
يعيش حياة الآخر من النافذة المقابلة.
أما صاحب البيت الكبير، فقد تعلم شيئًا مختلفًا:
لا تجعل من ينظر إليك معيارًا لك.
ولا تجعل من ينافسك وجهتك.
ابنِ لأنك تعرف ما تريد.
واترك للآخرين حرية تفسير البناء كما يشاؤون.
فالبيوت الكبيرة لا تكبر لأنها أقنعت الجيران بحجمها.
تكبر لأن جدرانها تتسع لمن فيها.
وفي آخر الليل، بقي السور في مكانه.
وبقي السلام قائمًا.
وبقيت الابتسامات كذلك.
لكن شيئًا واحدًا تغير.
أصبح كل بيت يعرف أن الآخر يعرف.
وهذه، في بعض العلاقات، مرحلة أكثر وضوحًا من الخصومة نفسها.
فليس أخطر الجيران من يرفع صوته عليك.
ولا من يغلق بابه في وجهك.
ولا حتى من يختلف معك علنًا.
أحيانًا يكون الأخطر…
من يصفق لك طويلًا،
ثم ينظر سريعًا إلى ارتفاع الجدار.
التعليقات (0)
كن أول من يشارك رأيه حول المقالة.