ليس أشد إيلامًا من أن يكون للوطن تاريخٌ يطاول المجد، وحاضرٌ يصنع المستقبل، ثم يتصدر بعض فضائه العام من لا يشبهون عظمته، وتعلو فيه أصواتٌ لا تليق بمقامه.
فما أقسى أن يمتلك المجتمع قاماتٍ تليق بالتاريخ، ثم يُختزل حضوره في ضجيج من لا يليقون حتى بهوامشه!
وبينما تتشابك مصالح الدول، وتُعاد صياغة موازين القوة، وتُختبر التحالفات، وتنشغل مؤسسات الدولة بحماية أمن الوطن ومصالحه، ينشغل جانبٌ من فضائنا الرقمي بتفاهات الحمقى، وخصومات المتصدرين، وسفاسف لا تستحق من عقولنا لحظةً، فضلًا عن أن تستأثر باهتمام مجتمعٍ يواجه تحديات التاريخ الكبرى.
كأن الوطن يقف في حضرة التاريخ، بينما يتخاصم بعض المتصدرين في مجالس السفهاء!
ولكن من الذي أوصلنا إلى هنا؟
من الذي أقنعنا أن كل من امتلك جمهورًا استحق منبرًا، وأن كل من أثار جدلًا أصبح صاحب رأي، وأن كل من أحسن صناعة الضجيج بات مؤهلًا للحديث باسم مجتمعٍ عظيم؟
من الذي سلّم مفاتيح المشهد لمن لا يملكون من مؤهلات الحضور إلا القدرة على إثارة الغرائز، واستفزاز العقول، وإشعال الخصومات؟
أحسب أننا جميعًا أسهمنا، بدرجات متفاوتة، في صناعة هذا المشهد؛ حين خلط بعض الإعلام بين الشهرة والقيمة، وحين جعلت المنصات الإثارة طريقًا مختصرًا إلى الانتشار، وحين منح الجمهورُ التفاهةَ من وقته ما بخل به على المعرفة، وحين آثر بعض العقلاء الصمت، فتركوا الساحة لمن لا يعرفون للصمت فضيلة.
وهكذا لم تتصدر الرداءة لأنها انتصرت على العقول، بل لأن العقول انسحبت من المشهد، وتركنا للرداءة أن تتوج نفسها على منصةٍ صنعناها بأيدينا.
وما أشد المفارقة حين ترتفع الأمم إلى مستوى التحديات التي تواجهها، بينما تنحدر بعض منابرها إلى مستوى الذين يتصدرونها!
إن المملكة العربية السعودية، بتاريخها العظيم، ومكانتها الراسخة، وثقلها السياسي والاقتصادي، وما تختزنه من رجال دولة وحكماء ومفكرين وعلماء ومبدعين، أكبر بكثير من أن تُختزل صورتها في تفاهات المشاهير والحمقى، أو أن تصبح بعض أكثر وجوهها ظهورًا أقلها استحقاقًا للظهور.
هذه بلادٌ صنعت تاريخًا، وتحمل مسؤولياتٍ تتجاوز حدودها، وتخوض تحولاتٍ كبرى، وتملك من العقول والكفاءات ما يليق بمقامها.
فكيف يتسع بعض فضائنا العام للتافهين، ويضيق بأصحاب الفكر والرأي؟
وكيف يصبح حديث السفهاء أكثر تداولًا من حديث الحكماء، وخصومات المتصدرين أكثر حضورًا من منجزات المبدعين؟
إنها ليست أزمة نقصٍ في العظماء، بل أزمةٌ في الموازين التي نزن بها من يستحق أن يتصدر.
ولست أقول إن كل من ظهر لا يستحق، ولا إن كل من غاب كان عظيمًا؛ ولكنني أقول إن وطنًا بهذا المقام يستحق مشهدًا يعكس شيئًا من عظمته، وإعلامًا يعرف الفرق بين من يصنع قيمةً ومن يصنع ضجيجًا.
فليس من العدل أن نبني في الواقع وطنًا يزداد علوًا، ثم نسمح لبعض منابرنا أن تقدم عنه صورةً أدنى من حقيقته.
ومع ذلك، فإن رهاني الأكبر يبقى على وعي المواطن السعودي؛ فهو الذي يستطيع أن يعيد للأشياء أحجامها، وأن يسحب من التفاهة ما منحها من انتباه، وأن يرفع من شأن من يستحقون أن يُعرفوا ويُسمعوا.
فلا يحتاج السفه إلى من يرد عليه دائمًا؛ بل يحتاج أحيانًا إلى جمهورٍ يكف عن مكافأته.
ولست أخشى على وطنٍ أنجب العظماء، وإنما أخشى أن ننشغل عن عظمائه بمن لا يستحقون أن يشغلوا أبناءه.
إن المملكة أكبر من ضجيجها العابر، وأعظم من خصومات المتصدرين، وأغنى من وجوهها الأكثر صخبًا.
وإذا كان التاريخ قد أنصف أجدادنا بما صنعوه، فلا يليق بنا أن نترك لأبنائنا ذاكرةً مزدحمةً بأسماء الحمقى، خاليةً من أسماء الذين يستحقون الخلود.
فالأمم العظيمة لا ينقصها من يستحق الضوء؛ إنما تخسر شيئًا من صورتها حين تترك الضوء لمن لا يستحقه.
التعليقات (0)
كن أول من يشارك رأيه حول المقالة.