في التعليم، أسهل الأشياء أن نعدّ المدارس. والمعلمين. والطلاب. والجامعات. والكتب التي طُبعت. والأجهزة التي وُزعت. والساعات التي جلسها أبناؤنا على المقاعد. لكن هناك رقمًا أصعب من كل هذه الأرقام: ماذا بقي في عقل الطالب بعد أن رنّ الجرس؟ فالطالب قد يقضي اثني عشر عامًا بين فصل وآخر، ويحمل في نهايتها شهادة جميلة، لكن العالم لا يسأله كم عامًا جلس في المدرسة. يسأله سؤالًا أكثر قسوة: ماذا تستطيع أن تفعل بما تعلمت؟ هل تستطيع أن تقرأ نصًا، ثم تفهم ما لم يُكتب صراحة؟ هل تستطيع أن ترى مسألة في الحياة وتحوّلها إلى فكرة رياضية؟ هل تستطيع أن تميز بين رأي ودليل؟ أن تختبر ادعاءً؟ أن تربط معلومة بأخرى؟ أن تفكر عندما لا تكون الإجابة موجودة في آخر الصفحة؟ هنا تبدأ الاختبارات الدولية. وهنا، أيضًا، تبدأ الحكاية السعودية المعقدة. لأن هناك حقيقتين عن تعليمنا يمكن أن تكونا صحيحتين في الوقت نفسه. الأولى: نحن نتقدم. والثانية: لم نصل بعد إلى المستوى الذي يليق بما نملكه وما نطمح إليه. والمشكلة تبدأ عندما نسمح لإحدى الحقيقتين أن تلغي الأخرى. قبل أسابيع فقط، نُشرت نتائج PISA 2025، وهو أحد أهم الاختبارات الدولية لأنه لا يختبر حفظ المقرر بقدر ما يختبر قدرة الطالب في الخامسة عشرة على استخدام المعرفة. وفي العلوم، جاءت الأخبار جيدة. ارتفع متوسط الطالب السعودي إلى 413 نقطة، بزيادة 23 نقطة عن 2022، وهي واحدة من أكبر الزيادات المسجلة بين الدول المشاركة. وعلى المدى الأطول، كان معدل التحسن السعودي في العلوم من بين الأعلى دوليًا. هذا ليس تحسنًا صغيرًا. ولا ينبغي التقليل منه. فالأنظمة التعليمية الثقيلة لا تغير اتجاهها بسهولة. وكل من عمل في مؤسسة كبيرة يعرف أن تحريك السفينة درجة واحدة أصعب كثيرًا من تحريك السهم على عرض تقديمي. لكن للرقم نصفًا آخر. فمتوسط دول OECD في العلوم بلغ 482 نقطة. أي إن الطالب السعودي، رغم القفزة المهمة، ما زال بعيدًا عن ذلك المتوسط. والأكثر دلالة أن 51% فقط من طلاب المملكة بلغوا الحد الأدنى من الكفاءة في العلوم، مقابل 74% في دول OECD. أما الطلاب الذين وصلوا إلى مستويات الأداء الأعلى، فكانت نسبتهم محدودة جدًا. وهنا يجب أن نقرأ التحسن كما هو: ليس انتصارًا نهائيًا. ولا إخفاقًا. بل اتجاه صحيح، ومسافة ما زالت طويلة. وفي الرياضيات تبدو الصورة أكثر قسوة. متوسط الطالب السعودي في PISA 2025 بلغ 390 نقطة مقابل 463 نقطة في OECD. لكن الرقم الأكثر أهمية ليس المتوسط. فقط 32% من طلابنا وصلوا إلى الحد الأدنى من الكفاءة الرياضية، مقابل 65% في دول OECD. أي إن السؤال لم يعد: كم فصلًا في كتاب الرياضيات درس الطالب؟ بل: كم طالبًا يستطيع استخدام الرياضيات عندما تخرج المسألة من الكتاب؟ وهناك فرق كبير بين الاثنين. يمكنك أن تعلم طفلًا طريقة الحل. الأصعب أن تعلمه كيف يعرف أي طريقة يستخدم عندما لا تخبره أنت بالطريقة. وهذه المسافة الصغيرة بين «حل المثال» و«حل المشكلة»… هي في الحقيقة واحدة من أكبر المسافات في التعليم. أما القراءة، فربما هي الرقم الذي ينبغي أن نتوقف عنده أطول. بلغ متوسط المملكة 387 نقطة مقابل 461 في OECD. ووصل 40% فقط من الطلاب إلى الحد الأدنى من الكفاءة القرائية، مقابل 69% في المتوسط المقارن. والأهم أن OECD يقول إن أداء المملكة في القراءة عام 2025 أصبح أسوأ مما كان عليه في 2018، رغم التحسن في الرياضيات والعلوم. وهذه ليست مشكلة مادة اسمها «لغتي». القراءة ليست مادة. القراءة هي البنية التحتية لكل المواد. فالطالب الذي لا يفهم السؤال جيدًا… سيبدو ضعيفًا في الرياضيات. وإن كان يعرف الرياضيات. والطالب الذي لا يستطيع تحليل نص… سيبدو ضعيفًا في العلوم. وإن كان يحفظ القانون العلمي. والطالب الذي لا يستطيع التفريق بين الحجة والمعلومة والانطباع… ستلاحقه المشكلة حتى الجامعة. لهذا أعتقد أن أخطر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نتعامل مع القراءة باعتبارها مسؤولية معلم اللغة العربية. القراءة مسؤولية النظام التعليمي كله. وقد يقول قائل: ربما لا يناسبنا PISA. ربما هناك اختلاف ثقافي. ربما الاختبار نفسه لا يعكس مناهجنا. حسنًا. لنذهب إلى اختبار آخر. TIMSS يقيس الرياضيات والعلوم في الصفين الرابع والثامن ( الثاني متوسط) وفي 2023 سجل طلاب الصف الرابع في المملكة نحو 420 نقطة في الرياضيات مقابل متوسط دولي 503، ونحو 428 في العلوم مقابل 494. وفي الصف الثامن بلغت النتيجة نحو 397 في الرياضيات و419 في العلوم، وكلاهما دون المتوسط الدولي للاختبار. إذن المسألة لا تظهر فجأة عندما يبلغ الطالب الخامسة عشرة. الجذور أقدم. وإذا عدنا إلى القراءة في المرحلة الابتدائية، وجدنا شيئًا مثيرًا للاهتمام. في PIRLS، وهو الاختبار الدولي الذي يقيس قراءة طلاب الصف الرابع، ارتفعت نتيجة المملكة من 430 نقطة في 2016 إلى 449 في 2021. تسع عشرة نقطة إلى الأعلى. تقدم حقيقي. لكن الدرجة بقيت دون نقطة المنتصف الدولية للمقياس، وهي 500. مرة أخرى تعود الجملة نفسها: نتحسن… ولكن من موقع ما زال يحتاج إلى تحسن كبير. ولعل هذه أهم سمة في التعليم السعودي اليوم. الاتجاه في عدد من المؤشرات أفضل من الصورة الثابتة. لكن الصورة الثابتة ما زالت أقل من طموح البلد. ومع ذلك، هناك أرقام أخرى تقول شيئًا جميلًا للغاية. الفجوة التعليمية المرتبطة بالوضع الاجتماعي والاقتصادي في المملكة أقل بكثير من متوسط OECD. في علوم PISA 2025، بلغ الفارق بين الطلاب الأكثر حظًا اجتماعيًا واقتصاديًا والأقل حظًا 47 نقطة، مقابل 85 نقطة في OECD. ولم يفسر الوضع الاجتماعي والاقتصادي سوى 6% من تفاوت النتائج داخل المملكة، مقابل 12% في المتوسط المقارن. بل إن 14% من الطلاب السعوديين الأقل حظًا اقتصاديًا استطاعوا الوصول إلى الربع الأعلى من الأداء داخل المملكة، مقابل 12% في OECD. وهذا إنجاز لا ينبغي المرور عليه سريعًا. يعني أن منزل الطفل لا يقرر مصيره التعليمي في المملكة بالقوة نفسها التي يفعلها في كثير من الأنظمة الأخرى. وهذه قيمة عظيمة. لكنها تقود إلى مفارقة: نجحنا بدرجة معقولة في تقريب المسافة بين الطلاب، لكن علينا الآن أن نرفع المستوى الذي يقفون عليه جميعًا. فالعدالة في توزيع الفرصة شيء. وجودة الفرصة نفسها شيء آخر. ومن أكثر النتائج إثارة بالنسبة لي ما يقوله الطلاب عن معلميهم. في PISA 2025، قال 88% من الطلاب السعوديين إن معلم العلوم يهتم بتعلم كل طالب، مقابل 69% في OECD. وقال 90% إن المعلم يستمر في الشرح حتى يفهم الطلاب، مقابل 66%. وقال 89% إن المعلم يقدم مساعدة إضافية عندما يحتاجها الطالب، مقابل 73%. هذه أرقام قوية ومهمة. لأنها تمنعنا من الوصول إلى الاستنتاج السهل: «المعلم لا يهتم.» الطلاب أنفسهم يقولون إنه يهتم. بل إن 72.2% من طلاب المملكة يقولون إنهم يحبون تعلم أشياء جديدة في المدرسة، وهي نسبة أعلى من متوسط OECD البالغ 68.8%. ويقول 67.9% إنهم يبذلون جهدًا إضافيًا عندما يصبح العمل صعبًا، مقابل 59.5% في OECD إذن لدينا طالب لا يرفض التعلم. ولدينا معلم يشعر الطالب أنه يريد مساعدته. ثم نصل إلى النتائج… فنجد فجوة. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي. إذا كان الطالب مستعدًا، والمعلم مهتمًا، والدولة تنفق على التعليم ما يعادل نحو 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي وفق أحدث البيانات المنشورة. فأين تتسرب النتيجة؟ هذا، في رأيي، هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا. ليس: من المخطئ؟ بل: أين تضيع قيمة كل هذا الجهد قبل أن تصل إلى عقل الطالب؟ هل في كثافة المحتوى؟ هل في طريقة التدريس؟ هل في الاختبارات التي تكافئ الاسترجاع أكثر مما تكافئ التفكير؟ هل في إعداد المعلم؟ هل في مقدار الوقت الذي يتحدث فيه المعلم مقارنة بالوقت الذي يفكر فيه الطالب؟ هل في الإدارة المدرسية؟ هل في السنوات الأولى؟ أم في خليط من كل ذلك؟ الأرقام لا تمنحنا جوابًا واحدًا. لكنها تقول إن تفسير المشكلة بنقص الموارد وحده تفسير غير كافٍ. وهناك رقم قد يفتح نافذة على جانب آخر من المسألة. في PISA 2022، لم يكن سوى 7% من الطلاب السعوديين في مدارس يملك مديروها المسؤولية الأساسية عن تعيين المعلمين، مقابل 60% في OECD. وفقط 13% كانوا في مدارس يكون للمعلمين فيها الدور الأساسي في اختيار المواد التعليمية، مقابل 76% في OECD. هذا لا يثبت أن المركزية هي سبب النتائج. لكن من حقه أن يطرح سؤالًا: كم من المسؤولية نعطي المدرسة… وكم من الصلاحية نعطيها معها؟ فلا يمكن أن تطلب من مدير مدرسة أن يكون قائدًا… ثم تعطيه وظيفة مراقب. ولا أن تطلب من المعلم أن يكون مهنيًا… ثم تحول كل قرار مهني إلى تعميم. المساءلة بلا صلاحية ظلم. والصلاحية بلا مساءلة فوضى. والنظام الجيد هو الذي يعرف كيف يجمع الاثنين. ثم نصل إلى مفارقة أخرى. إذا صعدنا من المدرسة إلى الجامعة، تتغير الصورة. في أحدث تصنيف QS العالمي لعام 2026، وصلت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن إلى المرتبة 63 عالميًا، بعد أن كانت في المرتبة 199 في 2016. وصعدت جامعة الملك سعود إلى المرتبة 107 بعد أن كانت 237 في 2016. وجاءت جامعة الملك عبدالعزيز في المرتبة 200 عالميًا وهذه قفزات مهمة. ولا سيما أن وصول جامعة سعودية إلى قائمة أفضل مئة جامعة عالميًا لم يعد طموحًا نظريًا؛ أصبح واقعًا في بعض التصنيفات. لكن هنا تحديدًا يجب ألا نخلط بين شيئين. يمكن للدولة أن تمتلك جامعة ممتازة… ونظامًا مدرسيًا متوسط النتائج في الوقت نفسه. فالجامعة قمة الهرم. والمدرسة قاعدته. ولا تستطيع القمة، مهما ارتفعت، أن تختصر الهرم كله. بل ربما تكشف هذه المفارقة عن التحدي السعودي بأوضح صورة: لدينا جزر من التميز وصلت إلى المستوى العالمي، لكن التحدي هو تحويل التميز من جزيرة إلى نظام. أن يصبح الطالب الممتاز أقل اعتمادًا على كونه استثناءً. وأن يصبح الأداء الجيد هو الوضع الطبيعي. ثم هناك قضية المتفوقين. وهي في رأيي أخطر مما تبدو. في PISA 2025، كانت نسبة الطلاب السعوديين الذين وصلوا إلى أعلى مستويات الكفاءة في الرياضيات والقراءة والعلوم قريبة من الصفر، بينما تبلغ في OECD نحو 6% إلى 8% بحسب المجال. هذا يعني أن المشكلة ليست فقط في إنقاذ المتعثرين. لدينا سؤال آخر: أين نصنع القمة؟ فالدول لا تنافس بمتوسطاتها فقط. تنافس أيضًا بعلمائها. ومهندسيها. وباحثيها. وأطفالها الذين يستطيعون حل المسألة التي لا يستطيع غيرهم حلها. النظام التعليمي العظيم يفعل أمرين في الوقت نفسه: يرفع الأرضية… ويرفع السقف. لا يترك طفلًا خلفه. ولا يجعل الموهوب يمشي بسرعة الصف كلها. والعالم الجديد يزيد السؤال صعوبة. في PISA 2025، أضيف اختبار لحل المشكلات الحاسوبية. حصل الطالب السعودي على متوسط 426 نقطة مقابل 500 في OECD. وهذا رقم يستحق الانتباه. لأن المدرسة التي نناقشها اليوم لا تعد أبناءنا لوظائف 2010. نحن نرسل الطفل إلى فصل دراسي في زمن يستطيع فيه جهاز في جيبه أن يكتب المقال، ويحل المعادلة، ويترجم النص، ويلخص الكتاب. ولذلك لم يعد المطلوب من المدرسة أن تعطي الطالب الإجابة. الإجابة أصبحت أرخص شيء في العالم. المطلوب أن تعلمه: هل الإجابة صحيحة؟ لماذا؟ ما مصدرها؟ ماذا أغفلت؟ هل توجد إجابة أخرى؟ وما السؤال الأفضل الذي كان ينبغي أن يُسأل أصلًا؟ قبل الذكاء الاصطناعي، كان امتلاك المعلومة قوة. بعد الذكاء الاصطناعي… ستصبح القوة في القدرة على الحكم على المعلومة. وهنا تصبح القراءة العميقة، والمنطق، والرياضيات، والتفكير العلمي أكثر أهمية، لا أقل. لهذا ربما لا يحتاج التعليم السعودي في مرحلته القادمة إلى ثورة في عدد الكتب. بل إلى ثورة في معنى التعلم. أن يصبح الهدف من الصف أقل ارتباطًا بـ: ماذا غطى المعلم؟ وأكثر ارتباطًا بـ: ماذا أتقن الطالب؟ هناك فرق هائل بين الاثنين. قد ينتهي المنهج… ولا يبدأ التعلم. وقد يتأخر المعلم صفحة… ويتعلم الطالب فكرة ستبقى معه عشرين عامًا. وأظن أن الأرقام الدولية، إذا قرأناها بهدوء، تقود إلى أربع قضايا كبرى. الأولى هي التأسيس. القراءة والعدد في السنوات الأولى ليستا مقررَين بين مقررات. هما البنية التحتية. وأي ضعف يُسمح له بالعبور من الصفوف الأولى يصبح أكثر تكلفة كلما تقدم الطالب. والثانية هي المعلم. ليس من حيث نيته؛ فالأرقام تقول إن الدعم موجود. بل من حيث أدواته. كيف يشخّص الضعف؟ كيف يفرق بين الطلاب؟ كيف يجعل الطالب يفكر؟ كيف يقيس الفهم أثناء الدرس، لا بعد نهاية الفصل؟ وكيف يتحول التطوير المهني من دورة يحضرها المعلم إلى ممارسة تتغير داخل فصله؟ والثالثة هي المدرسة. متى تصبح المدرسة وحدة حقيقية للتحسين؟ لديها بياناتها. ومشكلاتها. وصلاحياتها. وقائد يعرف طلابه ومعلميه أكثر مما يعرفهم أي مكتب بعيد. أما الرابعة فهي الطموح. علينا ألا نجعل المتوسط العالمي سقفنا. المملكة التي تريد أن تنافس في الذكاء الاصطناعي، والصناعة المتقدمة، والطاقة، والفضاء، والتقنية الحيوية، لا يكفيها نظام تعليمي «مقبول». مشروعات البلد أصبحت أكبر من أن يحملها تعليم متوسط الأداء. وهذه ربما هي أهم نقطة في القضية كلها. قبل عقود، كان التعليم الجيد وسيلة لتحسين حياة الفرد. اليوم أصبح جزءًا من الأمن الاقتصادي للدولة. فالمصانع التي نريد بناءها تحتاج عقولًا. ومختبراتنا تحتاج عقولًا. وشركات التقنية تحتاج عقولًا. والاقتصاد الذي نحاول تنويعه لن يتنوع بالمال وحده. فالمال يستطيع شراء آلة. لكنه لا يستطيع، بالسهولة نفسها، شراء أمة تعرف كيف تصنع الآلة التالية. لهذا فإن قراءة واقع التعليم السعودي لا ينبغي أن تكون متشائمة. ولا احتفالية. الأرقام لا تسمح بأي منهما. هناك تحسن حقيقي. وفي العلوم تحديدًا هناك تسارع يستحق الإشادة. وهناك عدالة تعليمية نسبية تستحق البناء عليها. وهناك معلم يشعر الطالب بدعمه. وطلاب ما زالت لديهم رغبة في التعلم. وهناك جامعات بدأت تحجز لنفسها مواقع متقدمة عالميًا. وفي الجانب الآخر… ما زالت القراءة تقلق. والرياضيات بعيدة عن مستوى الدول المتقدمة. ونسبة كبيرة من الطلاب لا تصل إلى الحد الأدنى الذي تقيسه الاختبارات الدولية. وعدد المتفوقين قليل. والمهارات الرقمية المركبة ما زالت دون المستوى الذي يفرضه المستقبل. وهذا ليس حكمًا على التعليم السعودي. إنه تشخيص للحظة. والفرق كبير. فالأنظمة التي لا تعترف بمشكلاتها لا تصلحها. والأنظمة التي لا ترى إلا مشكلاتها تفقد الثقة في قدرتها على الإصلاح. أما النضج… فأن تستطيع النظر في المرآة دون أن تكسرها، ودون أن تطلب منها أن تجاملك. لقد بنينا مدارس كثيرة. وجامعات كثيرة. وأنفقنا كثيرًا. وغيّرنا مناهج. وأطلقنا مبادرات. ودربنا معلمين. وقسنا. واختبرنا. والسؤال في المرحلة القادمة ربما ينبغي أن يصبح أبسط من كل ذلك… وأصعب: هل يتعلم الطالب؟ ليس: هل حضر؟ ولا: هل نجح في الاختبار؟ ولا: هل أنهى المقرر؟ بل: هل أصبح بعد عام من التعليم قادرًا على فعل شيء لم يكن قادرًا على فعله قبل ذلك العام؟ إذا جعلنا هذا السؤال في قلب المدرسة، ستتغير أسئلة كثيرة حوله. وسنكتشف أن أفضل مدرسة ليست أجمل مبنى. ولا أكثرها أجهزة. ولا التي يحقق طلابها أعلى درجات في اختبار سهل. أفضل مدرسة… هي التي تستطيع أن تثبت أن الطفل الذي دخل من بابها في أوقست، ليس هو الطفل نفسه الذي خرج منه في يونيو. فالتعليم في النهاية ليس عدد السنوات التي نقضيها في المدرسة. إنه مقدار ما تضيفه تلك السنوات إلينا. وحين يرن الجرس الأخير، وتغلق الكتب، وتختفي الشهادات في الأدراج، لن يبقى السؤال: كم درسنا؟ بل: كم تعلّمنا؟