لمعرفة إن كان بلدٌ ما قد تغيّر فعلًا، فربما لا يكون أفضل ما نفعله أن نسأله عن نفسه… بل أن ننظر كيف أصبح العالم يراه!! قبل عشر سنوات، لم تكن المشكلة أن المملكة لا تملك شيئًا. كانت تملك الكثير. المشكلة كانت أن العالم اختصر كل ما تملك في شيء واحد. وكان الاختصار مريحًا للجميع. دولة كبيرة في الجغرافيا. كبيرة في الطاقة. كبيرة في مكانتها الدينية. ثم نقطة. كأن التاريخ قرر أن يضع بعدها سطرًا جديدًا، ولم يضعه. في عام 2016، قيل إن هناك رؤية جديدة. والرؤى، في منطقتنا، ليست نادرة. لدينا من الخطط ما يكفي أحيانًا لإعمار قارة. ولهذا لم يكن السؤال يومها: ماذا كُتب؟ بل: ماذا سيبقى من المكتوب عندما يصطدم بالواقع؟ فالورق صبور. يتحمل المدن التي لم تُبنَ. والوظائف التي لم تُخلق. والأهداف التي لم تتحقق. والسنوات التي تمر. لكن الأرقام أقل مجاملة. الأرقام لا تعرف صاحب الخطاب. ولا تقف احترامًا للمسؤول. ولا تصفق في الاحتفال. ولهذا أحب الأرقام. ليس لأنها تقول الحقيقة كاملة؛ فلا رقم يستطيع ذلك. ولكن لأنها، على الأقل، لا تعرف كيف تجاملنا. بعد عشر سنوات تقريبًا، أصبح بالإمكان أن نضع الورقة القديمة إلى جوار الجدول الجديد. ثم نصمت قليلًا. في 2016، كان حجم الاقتصاد السعودي بالقيمة الجارية نحو 689 مليار دولار. وفي 2025، أصبح نحو 1.28 تريليون دولار بحسب بيانات البنك الدولي. ليست المقارنة وحدها هي اللافتة. الأهم أن الجزء الذي كان يُنظر إليه طويلًا باعتباره «الاقتصاد الآخر» بدأ يتقدم نحو منتصف الصورة؛ ارتفعت حصة الأنشطة غير النفطية من الناتج الحقيقي من نحو 45% في 2016 إلى 55% في 2025 وهنا ربما بدأت الحكاية تتغير. لأن التنويع الاقتصادي لا يعني أن تتوقف عن امتلاك ما وهبك الله. بل أن تتوقف عن السماح له بأن يكون التعريف الوحيد لك. الثروة ليست مشكلة. المشكلة أن تصبح الثروة سيرة ذاتية. والاقتصادات، مثل البشر، تصل إلى مرحلة يصبح فيها السؤال: من أنت إذا سُحب منك أشهر ما يعرفه الناس عنك؟ وهذا ربما كان السؤال الحقيقي الذي بدأ في 2016. ليس: كيف نعيش بلا نفط؟ فهذا سؤال ساذج. بل: كيف نصبح أكثر من النفط؟ ثم حدث شيء في سوق العمل. كان معدل البطالة بين السعوديين في 2016 نحو 12.3%. وفي 2025 أصبح 7.2%. وبين الرقمين عشر سنوات لا تبدو طويلة في عمر الاقتصادات، لكنها طويلة جدًا في عمر شاب ينتظر فرصة. ولعل أكثر الأرقام دلالة لم يكن رقم البطالة نفسه. كان رقمًا آخر. في 2016، بلغت مشاركة المرأة في سوق العمل نحو 22.8%. وبعد سنوات قليلة تجاوزت الهدف الأصلي الذي كان موضوعًا لعام 2030، ووصلت إلى نحو 36% في 2024، الأمر الذي أدى إلى رفع مستهدف 2030 نفسه. وهنا تتوقف الأرقام عن كونها اقتصادية فقط. لأن بعض الأرقام تقيس المال. وبعضها يقيس مقدار التغير الذي طرأ على المجتمع نفسه. ثم نصل إلى الحكومة. والحكومة، في الذاكرة العربية القديمة، مبنى. ممر طويل. موظف. ورقة. توقيع. وختم يبحث عن ورقة تبحث عن موظف يبحث عن توقيع آخر. لكن الأمم المتحدة لا تقيس الحكايات الساخرة. لديها مؤشر. في 2016، كانت المملكة في المرتبة 44 عالميًا في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية. وفي إصدار 2024 أصبحت السادسة عالميًا من بين 193 دولة. ثمانٍ وثلاثون مرتبة. ليست المسألة أن نموذجًا ورقيًا أصبح شاشة. ذلك أسهل أجزاء التحول. المسألة أن فكرة العلاقة بين الإنسان والمؤسسة تغيرت: بدل أن يذهب المواطن إلى الخدمة، بدأت الخدمة تأتي إليه. وهذا هو الفرق بين «الرقمنة» و«التحول». الرقمنة أن تنقل الطابور إلى الهاتف. أما التحول... فأن تلغي سبب الطابور. ثم هناك العالم الذي لا نراه. ذلك العالم الذي تعبر فيه الأموال والمعلومات والأسرار والأنظمة في أسلاك لا نعرف أين تمر. هناك يصبح الأمن بلا دبابة. والحدود بلا أسلاك شائكة. والهجوم قد يبدأ من غرفة لا تعرف في أي قارة تقع. في مؤشر الأمن السيبراني العالمي لعام 2024، وضع الاتحاد الدولي للاتصالات المملكة ضمن المستوى الأول، فئة الدول القدوة، وسجلت الدرجة الكاملة، 20 من 20، في الركائز الخمس: القانونية، والتقنية، والتنظيمية، وبناء القدرات، والتعاون. ولعل هذا أحد أكثر تحولات العقد دلالة. فالبلد الذي عُرف عالميًا لثروة خرجت من باطن الأرض... بدأ يصنع جزءًا من ثقله في فضاء لا أرض فيه أصلًا. ثم جاءت التنافسية. وهذه من الكلمات التي يسهل استخدامها في الخطب ويصعب الحصول عليها في الجداول. في تصنيف IMD للتنافسية العالمية، كانت المملكة في المرتبة 32 عام 2021. ثم 24. ثم 17. ثم 16. ثم 17. وفي أحدث إصدار، لعام 2026، صعدت إلى المرتبة 13 عالميًا من بين 70 اقتصادًا، مع تحسن في الأداء الاقتصادي والكفاءة الحكومية وكفاءة الأعمال والبنية التحتية. ليس خطًا مستقيمًا. وهذا مهم. فالدول التي تتطور لا تصعد كل عام درجة كما يصعد الطالب سلم المدرسة. تتقدم. تتراجع. تصطدم. وتصحح. لكن الاتجاه الطويل هو الذي يستحق القراءة. وفي الابتكار، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، وهذا أيضًا يستحق أن يُقال. كانت المملكة في المرتبة 49 عالميًا عام 2016 في مؤشر الابتكار العالمي. وفي 2020 كانت في المرتبة 66، ثم بدأت رحلة صعود متتالية حتى بلغت 46 عالميًا في 2025؛ وتضع WIPO المملكة في ذلك العام في المرتبة 31 عالميًا في مدخلات الابتكار، مع المركز الأول عالميًا في استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات، والرابع في الخدمات الحكومية الإلكترونية ضمن مكونات المؤشر، والرابع في تمويل الشركات الناشئة والمتوسعة. لكن هنا ينبغي ألا نخدع أنفسنا. فالمؤشر نفسه يقول إن مخرجات الابتكار لا تزال أضعف من مدخلاته؛ ترتيب المخرجات كان 61 في 2025. وهذه ليست جملة ينبغي حذفها من المقال. بل ربما هي أهم جملة فيه. لأن البلدان لا تتقدم عندما تتعلم الاحتفال بنقاط قوتها فقط. تتقدم عندما تصبح قادرة على النظر إلى نقاط ضعفها دون أن تعتبر ذلك إساءة إليها. ثم جاءت السياحة. في 2016 استقبلت المملكة قرابة 18 مليون زائر دولي، وكانت نسبة كبيرة من الحركة مرتبطة بما عرفه العالم عنها طويلًا. في 2024 وصل العدد إلى نحو 29.7 مليون زائر دولي، وارتفع الإنفاق السياحي الدولي من قرابة 24.9 مليار دولار في 2016 إلى نحو 44.9 مليارًا في 2024. وفي 2023 كانت المملكة قد تجاوزت أصلًا هدفها الأول المتمثل في 100 مليون سائح محلي ودولي، قبل سبع سنوات من الموعد الذي وضع له في الأصل. هذه الأرقام لا تعني فقط أن عدد الطائرات ازداد. تعني أن شيئًا أكثر دقة تغير: أن العالم بدأ يأتي ليرى بدل أن يكتفي بما كان يسمعه. وللسفر خاصية غريبة. إنه يقتل الصور القديمة ببطء. فالصورة النمطية تعيش طويلًا في الصحف. لكنها تضعف كثيرًا أمام إنسان عاد من مكان وقال: رأيته بنفسي. حتى التاريخ نفسه دخل مرحلة مختلفة. في نهاية 2015، كانت للمملكة أربع مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو. اليوم أصبحت ثمانية مواقع، بعد إضافة الأحساء، وحِمى، وعروق بني معارض، والفاو؛ والأخيرة أُدرجت في 2024، فيما أصبحت عروق بني معارض أول موقع طبيعي سعودي على القائمة عند إدراجها في 2023. وهذا جميل لسبب يتجاوز السياحة. فالدولة التي تركض نحو المستقبل تحتاج أحيانًا أن تلتفت خلفها. ليس لتعود. بل لتتأكد أنها لم تُسقط ذاكرتها وهي تركض. ثم بدأ العالم يمنح المملكة شيئًا لا يظهر بسهولة في الناتج المحلي: الثقة في القدرة على الاستضافة. في نوفمبر 2023، جرى التصويت على استضافة معرض إكسبو 2030. كانت الرياض أمام روما وبوسان. وحصلت المملكة على 119 صوتًا من الجولة الأولى، مقابل 29 لكوريا الجنوبية و17 لإيطاليا. لم تكن النتيجة فوزًا بفارق صغير. كانت رسالة دولية يصعب ألا تُقرأ. وبعد عام تقريبًا، اجتمعت اتحادات FIFA الأعضاء، وعددها 211 اتحادًا، واختيرت المملكة لاستضافة كأس العالم 2034 بالتزكية. وللمناسبات الكبرى معنى يتجاوز الرياضة والمعارض. العالم لا يمنح بلدًا موعدًا معه بعد عشر سنوات إلا إذا افترض، بدرجة ما، أن هذا البلد سيكون قادرًا على الوفاء بالموعد. وهنا تصبح السنوات العشر مثيرة للتأمل. لأن التحول الحقيقي لم يكن انتقال رقم من خانة إلى أخرى. كان انتقال السؤال نفسه. قبل سنوات، كان السؤال الذي يُطرح عن المملكة كثيرًا: هل تستطيع أن تتغير؟ ثم أصبح السؤال: إلى أين سيصل هذا التغير؟ والفرق بين السؤالين أكبر من كل الأرقام. لكن ينبغي الحذر من نوع آخر من المبالغة. الأرقام ليست شهادة تخرج. و2030 ليست نهاية التاريخ. والمركز السادس قد يصبح السابع. والثالث عشر قد يعود الخامس عشر. والمشروع قد يتأخر. والهدف قد يحتاج إلى مراجعة. والنجاح نفسه قد يخلق مشكلات لم تكن موجودة قبل النجاح. هذه طبيعة التحول. فالطريق الذي لا تظهر فيه مشكلات جديدة... غالبًا طريق لم يذهب إلى مكان جديد أصلًا. والأهم أن المؤشرات ليست متساوية. هناك مجالات ما زالت تقول بوضوح إن الطريق طويل؛ مؤشر الابتكار نفسه يكشف فجوة بين المدخلات والمخرجات، وبعض مؤشرات التعليم والبحث والإنتاجية لا تزال دون الطموح الذي تفرضه بقية القفزات. وهذا جيد. ليس لأن التأخر جيد. بل لأن الخريطة التي لا تظهر عليها الحفر لا تساعد المسافر. لكن بعد عشر سنوات، يصعب إنكار شيء واحد: هناك فرق بين أن تخبر العالم أنك تتغير... وأن تجد هذا التغير مكتوبًا في دفاتر العالم نفسه. البنك الدولي يراه في الاقتصاد. الأمم المتحدة تراه في الحكومة الرقمية. الاتحاد الدولي للاتصالات يراه في الأمن السيبراني. WIPO تراه في منظومة الابتكار. IMD يراه في التنافسية. UN Tourism يراه في حركة الزائرين. اليونسكو تراه في حضور التراث. ومؤسسات العالم الكبرى بدأت تمنح البلد مواعيد لمعارض وبطولات لم تأتِ بعد. وهنا فقط يصبح للأرقام معنى أدبي. فكل رقم منها، في الحقيقة، قصة صغيرة. امرأة دخلت سوق العمل. شاب وجد وظيفة. معاملة اختفت من ممر حكومي. شركة قررت أن تستثمر. سائح فتح حقيبته في مدينة لم يكن يفكر فيها قبل سنوات. موقع أثري أُنقذ من النسيان. مبرمج أغلق ثغرة لا يعرف الناس أنها كانت موجودة. ومدينة تستعد لاستقبال عالم لم يكن قبل عقد يضعها على قائمة المدن التي سيقصدها. هكذا تحدث التحولات الكبيرة. لا تصل في صباح واحد. ولا تسمع لها صوتًا واحدًا. تأتي على هيئة آلاف التفاصيل الصغيرة... ثم تستيقظ بعد عشر سنوات وتكتشف أن التفاصيل، حين اجتمعت، غيرت الصورة. في 2016، كانت الرؤية وثيقة تتحدث عن عام لم يأتِ بعد. اليوم لم نصل إلى ذلك العام بعد. وهذه ربما أكثر المفارقات جمالًا. فلا تزال أمام 2030 سنوات، لكن بعض المستهدفات التي كانت تبدو يومها بعيدة وصلت مبكرًا، وبعضها تغير لأن الواقع تجاوز الرقم الذي كُتب له، وبعضها ما زال ينتظر الكثير من العمل. وهذا، في رأيي، هو الاختبار الحقيقي لأي رؤية: ليس أن تنفذ الورقة كما كُتبت حرفيًا. بل أن تجعل الورقة القديمة تبدو، بعد سنوات، أقل جرأة من الواقع الذي صنعتْه. كانت المملكة قبل عشر سنوات تعرف قدرها. لكنها كانت تريد أن تعيد تعريف قدرتها. والفرق بين القدر والقدرة حرف واحد... لكنه قد يحتاج عقدًا كاملًا من العمل. ولعل أجمل ما يمكن قوله عن السنوات العشر الماضية ليس أن المملكة وصلت. فالدول التي تقول إنها وصلت تبدأ في التراجع من اللحظة التي تصدق فيها ذلك. الأدق أن نقول: إنها غادرت المكان الذي كانت فيه. والدليل هذه المرة ليس قصيدة. ولا خطابًا. ولا أمنية. الدليل أن الأرقام نفسها... بدأت تتكلم.