حوار أدبي متخيّل بين رجلين : سعودي وأمريكي
غازي وهنري شخصيتان أدبيتان متخيّلتان في هذا النص، والحوار الآتي عمل أدبي لا ينسب أقوالًا أو مواقف إلى أشخاص بعينهم.
قال غازي:
— يا هنري، من يكتب التاريخ؟
لم يتردد هنري:
— المنتصرون.
ابتسم غازي.
— إجابة يحبها المنتصرون كثيرًا.
قال هنري:
— وهل تراها خاطئة؟
— ناقصة.
— أكملها إذن.
قال غازي:
— المنتصر يكتب الصفحة الأولى، أما الزمن فيكتب الهامش الأخير.
سكت هنري لحظة، ثم قال:
— الهامش لا يغير ما حدث.
قال غازي:
— بل أحيانًا لا يبقى من الصفحة كلها إلا الهامش
قال هنري:
— أنت تبدأ من التاريخ لتصل إلى أمريكا.
قال غازي:
— وأنا أخشى أنكم بدأتم من أمريكا وظننتم أنكم وصلتم إلى التاريخ.
— ماذا تقصد؟
— أقصد ذلك الوهم الذي يصيب القوى الكبرى: أن امتلاك القوة يمنحها، إلى جانب القدرة على تغيير الواقع، حق تفسيره أيضًا.
قال هنري:
— القوة التي لا تستطيع تشكيل العالم من حولها ليست قوة عظمى.
قال غازي:
— تشكيل العالم شيء، والاعتقاد بأن العالم ملك لك شيء آخر.
ثم أضاف:
— الإمبراطوريات لا تبدأ في السقوط حين تفقد جيوشها، بل حين تفقد قدرتها على التمييز بين ما تستطيع فعله وما يحق لها أن تفعله.
قال هنري:
— ها أنت تعود إلى الأخلاق.
قال غازي:
— وأنت تهرب منها كما كنت تفعل دائمًا.
— لأن السياسة لا تُدار بكتب الأخلاق.
— ولا ينبغي أن تدار بكتب الحساب وحدها.
ابتسم هنري:
— الدولة التي تتعامل مع العالم بوصفه جمعية خيرية لن تعيش طويلًا.
قال غازي:
— والدولة التي تتعامل معه بوصفه شركة مساهمة قد تعيش طويلًا، لكنها ستقضي عمرها مستغربة لماذا يكرهها المساهمون الصغار.
قال هنري:
— أنتم العرب تريدون من القوة أن تكون عادلة.
قال غازي:
— لا.
— ماذا تريدون إذن؟
— أن تكف القوة عن الادعاء بأنها العدالة.
رفع هنري عينيه إليه.
قال غازي:
— تستطيع أمريكا أن تقول: هذه مصالحنا، وسندافع عنها.
هذه جملة أفهمها.
لكن أن تقول: هذه مصالحنا، وهي في الوقت نفسه الحرية والعدالة والقانون الدولي وإرادة المجتمع الدولي…
ثم إذا تعارضت المصلحة مع القاعدة بقيت المصلحة واختفت القاعدة…
فهنا تبدأ المشكلة.
قال هنري:
— تلك ليست أمريكا. تلك طبيعة القوة.
قال غازي:
— إذن لا تجعلوا للقوة نشيدًا أخلاقيًا.
قال هنري:
— العالم لا يعمل بالطريقة التي تتمنى.
قال غازي:
— ولم أقل إنني أتمنى.
ثم تابع:
— أنا لا أطلب عالمًا مثاليًا. المثالية في السياسة قد تكون شكلًا من أشكال الغباء.
أنا أطلب شيئًا أبسط:
ألا يتحول ميزان القوة إلى ميزان للحق.
فالقوي يستطيع أن ينتصر في الحرب، لكنه لا يستطيع أن يصدر حكمًا نهائيًا بأن انتصاره كان عدلًا.
قال هنري:
— ومن يصدر الحكم؟
قال غازي:
— الزمن.
— عدنا إلى الزمن.
— لأنه الدولة العظمى الوحيدة التي لم يهزمها أحد.
قال هنري:
— حسنًا. أنت تحاكم القوة. أعطني مثالًا.
قال غازي:
1973.
تغير وجه هنري قليلًا.
قال غازي:
— كان الملك فيصل يقول للأمريكيين بوضوح إن العلاقة مع العالم العربي لا يمكن فصلها إلى الأبد عن موقف واشنطن من الصراع العربي الإسرائيلي. وحين جاءت حرب أكتوبر ظهر التناقض عاريًا.
قال هنري:
— وهل كان على أمريكا أن تتخلى عن حليف لأن دولة أخرى أرادت ذلك؟
قال غازي:
— لا.
ثم ابتسم:
— ولكن لا تطلب من الطرف الآخر أن يتصرف وكأن اختيارك لا معنى له.
قال هنري:
— كل دولة تختار.
قال غازي:
— بالضبط.
— إذن أين المشكلة؟
قال غازي:
— ليست المشكلة في أن تختار أمريكا مصالحها.
المشكلة أن تتوقع، بعد كل اختيار، أن يبقى الآخرون في المواقع نفسها التي كانوا فيها قبل الاختيار.
السياسة ليست مسرحًا يحتفظ فيه الممثلون بأماكنهم بينما يغيّر البطل النص متى شاء.
قال هنري:
— بدأت تتحدث بطريقة واقعية.
قال غازي:
— لا تتعجل فرحتك.
ثم قال:
— الواقعية تقول لي إن أمريكا تتحرك وفق مصالحها.
والعقل يقول لي إن الآخرين سيتحركون وفق مصالحهم أيضًا.
وهنا تبدأ الواقعية الحقيقية.
أما أن تعتبر مصلحتك قانونًا طبيعيًا ومصلحة الآخرين تمردًا على النظام، فهذه ليست واقعية.
هذه إمبراطورية سيئة المزاج.
قال هنري:
— السياسة بطبيعتها انتقائية.
قال غازي:
— ولهذا كانت مشكلتي مع مدرستك دائمًا.
— الواقعية؟
— لا. نصف الواقعية.
نظر إليه هنري مستغربًا.
قال غازي:
— الواقعية الحقيقية تفهم مصالح الآخرين كما تفهم مصالحك.
أما نصف الواقعية فتسمي مخاوفك أمنًا قوميًّا، ومخاوف الآخرين مبالغة.
تسمي سلاحك ردعًا، وسلاح خصمك تهديدًا.
وتعتبر تحالفاتك استقرارًا، وتحالفات خصمك توسعًا.
قال هنري:
— هذه خطابة جميلة.
قال غازي:
— أجمل ما في الخطابة أنها أحيانًا تقول في سطر ما تخشى مراكز الدراسات أن تقوله في مئتي صفحة.
قال هنري:
— لكنكم تتذكرون المواقف التي خالفتكم، وتنسون المواقف التي التقت فيها مصالحنا معكم.
قال غازي:
كالكويت؟
— نعم.
قال غازي:
لا أنساها.
في 1990، بعد غزو العراق للكويت، التقت المصالح السعودية والأمريكية بوضوح. جاءت القوات الأمريكية ضمن تحالف دولي واسع، ثم انتهت الحرب بتحرير الكويت.
قال هنري:
— إذن؟
قال غازي:
— إذن أثبتَّ حجتي.
قطب هنري جبينه.
— كيف؟
قال غازي:
— لأنك لم تقل إن أمريكا تحركت بسبب الصداقة وحدها.
كان هناك خطر على توازن المنطقة، وعلى الطاقة، وعلى مصالح واشنطن وحلفائها.
وهذا مفهوم.
بل معقول.
بل هو ما تفعله الدول.
قال هنري:
— إذن لماذا يبدو حديثك كأنه اتهام؟
قال غازي:
— لأنه ليس اتهامًا.
إنه إزالة للزينة.
العلاقات بين الدول تصبح أكثر صحة عندما تُفهم كما هي، لا كما تصفها البيانات الرسمية.
مرة تلتقي المصالح فيصبح التنسيق شديدًا.
ومرة تتباعد فتظهر الحدود.
وهذا طبيعي.
أما غير الطبيعي فهو أن يتحول وصف لحظة من لحظات التقاطع إلى عقيدة أبدية.
قال هنري:
— أنت تريد من الولايات المتحدة أن تقول للعالم: نحن نفعل ما يفيدنا.
قال غازي:
— سيكون ذلك تقدمًا فلسفيًا هائلًا.
ضحك هنري:
— لن يفوز رئيس أمريكي بانتخابات وهو يقول ذلك.
قال غازي:
— أعرف.
ثم أضاف:
— ولذلك اخترعتم عبارات أكبر من الدول.
— مثل ماذا؟
— «المجتمع الدولي».
— وما مشكلتك معها؟
قال غازي:
— ليس لها رقم هاتف.
ضحك هنري.
قال غازي:
— عندما يكون هناك نصر، تتسابق الدول إلى أبوة المجتمع الدولي.
وحين تقع مأساة، يصبح المجتمع الدولي يتيمًا لا يعرف أحد أباه.
قال هنري:
— ولكن العرب أيضًا يحمّلوننا نتائج أخطائهم.
قال غازي:
— صحيح.
بدت المفاجأة على وجهه.
أكمل غازي:
— وهذه إحدى مشكلات العقل العربي السياسي: كلما فشل في تفسير شيء، اخترع أمريكيًا في غرفة مظلمة يدير الخيوط.
قال هنري:
— أخيرًا اتفقنا.
قال غازي:
— لا تفرح كثيرًا.
أمريكا ليست قادرة على كل شيء، وهذا يعفيها من كثير مما ينسب إليها.
لكنها فعلت أشياء كثيرة بالفعل، وهذا يمنعها من الاختباء كل مرة خلف أسطورة العجز.
قال هنري:
— العراق؟
قال غازي:
— العراق.
قال هنري:
— كنت أعرف أنك ستصل إليه.
قال غازي:
— لأن التاريخ نفسه يصل إليه كلما حاول أن يفهم ميزان المنطقة اليوم.
ثم قال:
— لم تحتج إيران إلى أن تهزم العراق.
فعلتم أنتم الجزء الأصعب.
بعد غزو العراق عام 2003، انهار واحد من أهم موازين القوة المقابلة لإيران، واتسعت أمام طهران مساحة لم تكن متاحة لها بالشكل نفسه من قبل.
قال هنري:
— لم تكن تلك النتيجة هي الهدف.
قال غازي:
— أعرف.
— إذن؟
قال غازي:
— التاريخ لا يحاسب النتائج على النوايا.
ثم قال بصوت هادئ:
— هذه واحدة من أكثر الحقائق رعبًا في السياسة يا هنري.
قد تدخل حربًا وأنت مقتنع أنك تصنع نظامًا جديدًا، فتخرج منها وقد صنعت فراغًا جديدًا.
وقد تهدم عدوًا، ثم تكتشف أن سقوطه كان أعظم هدية تلقاها عدو آخر.
وقد تكون أذكى رجل في الغرفة، ثم يضحك منك التاريخ لأنك كنت تحسب الأشياء التي تراها، ولم تحسب الأشياء التي ستولد منها.
قال هنري:
— لذلك كانت القوة تحتاج دائمًا إلى الحكمة.
قال غازي:
— بل تحتاج إلى الشك.
— الشك؟
— نعم.
أخطر السياسيين ليس الشرير.
أخطرهم الواثق.
قال هنري:
— لماذا؟
قال غازي:
— الشرير يعرف أنه يختار.
أما الواثق فيظن أن التاريخ اختاره.
ساد صمت طويل.
ثم قال غازي:
— ولأن التاريخ ساخر، دخلتم بغداد وأنتم تتحدثون عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
فإذا بالشرق الأوسط يعيد تشكيل حساباتكم.
قال هنري:
— السياسة سلسلة من النتائج غير المقصودة.
قال غازي:
— عبارة أنيقة للمقابر.
قال هنري:
— وماذا تريد أن تقول عن إيران؟
قال غازي:
— إيران فهمت شيئًا لم يفهمه كثيرون.
— ما هو؟
— أن القوة لا تعني أن تدخل كل حرب بنفسك.
قال هنري:
— هذا ليس اختراعًا إيرانيًا.
— بالطبع لا.
الإمبراطوريات مارسته منذ القدم.
لكن إيران قرأت هشاشة الدول من حولها، وفهمت أن النفوذ أرخص من الاحتلال، وأن الحليف المحلي أقل كلفة من الجيش العابر للحدود.
قال هنري:
— وهذه سياسة قوة.
قال غازي:
— نعم.
لكن كونها مفهومة استراتيجيًا لا يجعلها محصنة أخلاقيًا.
وهذه نقطة لا تحبها مدرستك.
قال هنري:
— وتقصد الحوثيين.
قال غازي:
— أقصد ظاهرة أكبر من الحوثيين.
— ما هي؟
— أن الحدود الحديثة لم تعد حدود القوة.
قد تكون دولة على بعد ألف كيلومتر من خصمها، لكنها موجودة داخل مجاله السياسي بصاروخ أو جماعة مسلحة أو حزب أو مال أو خطاب.
تغير معنى الجغرافيا.
كان نابليون يحتاج إلى جيش كي يعبر الحدود.
اليوم قد تعبرها فكرة.
قال هنري:
— وهل تحمل أمريكا مسؤولية ذلك أيضًا؟
قال غازي:
— أنت مولع بمحاولة الحصول على شهادة براءة.
ضحك هنري.
قال غازي:
— لا أحمل أمريكا مسؤولية إيران، ولا الحوثيين، ولا كل حريق في الشرق الأوسط.
أنا أسأل سؤالًا أصعب:
كيف تتعامل القوة العظمى مع الحريق؟
هل تطفئه؟
هل تحتويه؟
هل تستعمله لموازنة خصم؟
هل تنتظر حتى يقترب من مصالحها؟
قال هنري:
— ستجد أمثلة على كل ذلك.
قال غازي:
— ولهذا لا ينبغي لأحد أن يبني فهمه للمنطقة على نوايا قوة واحدة.
قال هنري:
— أنت تبحث عن قاعدة أخلاقية ثابتة داخل عالم متغير.
قال غازي:
— وأنت تبحث عن مصلحة متغيرة داخل عالم يحتاج إلى شيء ثابت.
قال هنري:
— لأن الثبات في السياسة موت.
قال غازي:
— وانعدام الثبات في المبادئ فساد.
قال هنري:
— لنفترض أن دولة ما طلبت من أمريكا دخول حرب لا تراها واشنطن في مصلحتها. هل يجب أن تدخل؟
قال غازي:
— لا.
بدت الدهشة على وجه هنري.
— حتى لو كان بينهما تعاون طويل؟
— نعم.
ابتسم هنري.
قال غازي:
— ولكن لا تبتسم بعد.
من حق أمريكا أن تقرر متى تقاتل.
ومن حق بقية الدول أن تعيد حساباتها بناءً على ذلك.
السيادة لا تكون حكرًا على الدولة الأقوى.
قال هنري:
— إذن أنت لا تتحدث عن الثقة أصلًا.
قال غازي:
— في العلاقات بين الدول، الثقة ليست أن تفترض أن الآخر سيضحي من أجلك.
الثقة أن تعرف حدود ما يمكن أن يفعله، وأن يعرف هو أنك تعرف.
قال هنري:
— تعريف بارد.
قال غازي:
— لكنه يمنع خيبات كثيرة.
ثم تغير صوت غازي:
— لكن دعني أسألك سؤالًا يا هنري.
— تفضل.
— متى تبدأ القوة العظمى في الضعف؟
قال هنري:
— عندما تعجز عن حماية مصالحها.
هز غازي رأسه.
— أظنها تبدأ قبل ذلك.
— متى؟
— عندما تعتقد أن على الآخرين أن يفهموا مصالحها، بينما لا يلزمها أن تفهم مصالحهم.
صمت هنري.
قال غازي:
القوة العسكرية قد تكسب معركة.
والقوة الاقتصادية قد تشتري نفوذًا.
لكن القدرة على رؤية العالم من عين الآخر هي ما يمنع الانتصار من أن يتحول إلى هزيمة مؤجلة.
قال هنري:
— وهل ترى أن الدول يجب أن تستغني عن التحالفات؟
قال غازي:
— لا توجد دولة عاقلة تستغني عن التحالفات.
لكن هناك فرقًا بين التحالف وبين تسليم عقلك لحليفك.
وبين التنسيق وبين الارتهان.
وبين أن تكون جزءًا من شبكة مصالح، وأن تكون مجرد عقدة في شبكة صممها غيرك.
قال هنري:
— الآن تتحدث بلغتي.
قال غازي:
— لا.
لغتك تقول إن القوة تحمي صاحبها.
أما أنا فأقول إن فهم القوة يحميه من عبادة القوة.
قال هنري:
— الكرامة مفهوم خطير في العلاقات الدولية.
قال غازي:
— أعرف.
— كم حربًا بدأت بسبب الكرامة؟
قال غازي:
— وكم تنازلًا أصبح عادة لأن العقلاء ظلوا يخافون من ثمنها؟
ثم سأله غازي:
— هل تعرف لماذا يصعب على العربي فهم أمريكا أحيانًا؟
قال هنري:
— أخبرني.
قال:
— لأنه ينظر إلى التاريخ فيراه طويلًا.
والسياسة الأمريكية الحديثة تنظر كثيرًا إلى الحاضر بوصفه سلسلة أزمات يجب إدارتها.
العربي قد يتذكر حدثًا وقع قبل نصف قرن وكأنه حدث أمس.
والسياسي المعاصر قد ينظر إلى نصف القرن بوصفه ملفًا أرشيفيًا.
قال هنري:
— مبالغة.
قال غازي:
— بالطبع.
ثم ابتسم:
— ولكن المبالغة أحيانًا مجهر أدبي.
قال هنري:
— أمريكا أيضًا تملك ذاكرة.
قال غازي:
— لكنها تمتلك قدرة مدهشة على إعادة تسمية الذاكرة.
قال هنري:
— مثال؟
قال غازي:
— عندما ينجح تدخل تسمونه قيادة.
وحين يفشل تسمونه درسًا.
وعندما تفشل حرب، يكون الخطأ غالبًا في التنفيذ.
نادرًا ما تعترف قوة عظمى بأن الخطأ ربما كان في الفكرة نفسها.
قال هنري:
— لأن الاعتراف بذلك قد يهدم عقيدة كاملة.
قال غازي:
— بالضبط.
والعقائد السياسية مثل البيوت القديمة: أحيانًا ينفق أصحابها ثروة على إصلاح السقف حتى لا يعترفوا بأن الأساس مائل.
سكت الرجلان.
ثم قال هنري:
— ومع ذلك، العالم الذي تنتقده هو نفسه الذي صنع توازنات ومنع حروبًا أيضًا.
قال غازي:
— صحيح.
— ودافع عن دول.
— صحيح.
— وردع أخرى.
— صحيح.
قال هنري:
— إذن لماذا يبدو كلامك محاكمة لأمريكا؟
قال غازي:
— لأنه ليس دفاعًا عنها ولا إدانة لها.
النضج لا يعني استبدال الأسطورة الأمريكية بأسطورة معاكسة.
ليس صحيحًا أن أمريكا شيطان يختبئ خلف كل مصيبة.
وليس صحيحًا أنها ضمير العالم الذي يظهر دائمًا حيث تظهر العدالة.
إنها دولة عظمى.
وهذه الجملة وحدها تكفي لشرح الكثير.
قال هنري:
— أخيرًا.
قال غازي:
— لا تفرح.
فالقول إنها دولة لا يعفيها أخلاقيًا.
لكنه يعفي الآخرين من السذاجة.
قال هنري:
— وأين السعودية في كل هذا؟
توقف غازي قليلًا.
قال:
السعودية لا تقف خارج التاريخ منتظرة من يصنعه لها.
هذه أول نقطة ينبغي فهمها.
هي دولة تملك وزنها، وموقعها، واقتصادها، وقرارها، وعمقها العربي والإسلامي، وعلاقاتها التي تمتد شرقًا وغربًا.
وعلاقتها بأمريكا لم تكن يومًا كل سياستها الخارجية، كما لم تكن مجرد تفصيل فيها.
كانت مساحة من المصالح المتبادلة تتغير مقاديرها بتغير العالم.
مرة تكون الطاقة في قلب المعادلة.
ومرة الأمن.
ومرة الاقتصاد.
ومرة استقرار المنطقة.
ومرة تتقاطع الرؤى.
ومرة تتباعد.
وهذه ليست علامة ضعف في العلاقة.
بل طبيعة العلاقة بين دولتين تعرف كل منهما أن للأخرى حساباتها.
قال هنري:
— وهذه هي الواقعية.
قال غازي:
— لا.
قال هنري متضايقًا:
— ماذا تسميها إذن؟
قال غازي:
— استقلال العقل.
أن تتعامل مع الجميع، دون أن تجعل أحدًا مرجعك الوحيد لفهم نفسك أو منطقتك.
ثم قال غازي:
— أتدري ما الذي يثيرني في تجربة الملك فيصل؟
قال هنري:
— ماذا؟
— أنه لم ينظر إلى عناصر القوة السعودية باعتبارها أرقامًا اقتصادية فقط.
كان يدرك أن الاقتصاد يصبح سياسة عندما تعرف الدولة كيف تستخدم وزنها.
وأن الاستقلال لا يعني قطع العلاقات مع القوى الكبرى، بل القدرة على الاختلاف معها حين تختلف المصالح.
قال هنري:
— وكل استخدام للقوة له ثمن.
قال غازي:
— بالتأكيد.
السؤال ليس: هل هناك ثمن؟
السؤال: هل تدفعه وأنت تعرف لماذا؟
قال هنري:
— لو عاد فيصل، ماذا كان سيقول؟
قال غازي:
— لن أتحدث نيابة عن الموتى.
ثم ابتسم:
— فالموتى لا يستطيعون تصحيح الاقتباسات.
ضحك هنري.
قال غازي:
— لكن يمكننا أن نتعلم من التجربة.
— ماذا تقول؟
— أن الاختلاف مع قوة كبرى لا يحولها بالضرورة إلى عدو.
وأن التعاون معها لا يحولها إلى وصي.
وهذه فكرة يصعب على من يفكر في العالم بثنائيات أن يفهمها.
قال هنري:
— السياسة منطقة رمادية.
قال غازي:
— نعم.
لكن تذكر شيئًا:
الرمادي لون السياسة.
وليس لون الضمير.
صمت هنري.
ثم قال:
— هذه جملة جيدة.
قال غازي:
— لا تسرقها.
قال هنري:
— وصلنا إلى اليمن، أليس كذلك؟
قال غازي:
— اليمن ليس مجرد محطة. هو نموذج لما يحدث عندما تتراكم طبقات الصراع فوق بعضها.
هناك دولة ومجتمع وتاريخ محلي.
ثم صراع داخلي.
ثم تدخل إقليمي.
ثم تنافس أوسع.
ثم تأتي القوى الكبرى وتقرأ المشهد من زاوية مصالحها.
وفي النهاية، يختصر الناس كل ذلك في جملة واحدة ويظنون أنهم فهموه.
قال هنري:
— لأن البشر يحبون التفسير البسيط.
قال غازي:
— والمشكلات المعقدة تعشق من يصدق التفسير البسيط.
قال هنري:
— والحوثيون؟
قال غازي:
— مثال على حقيقة قديمة بثياب جديدة:
حين تضعف الدولة، لا تبقى السيادة فراغًا.
سيأتي من يملأه.
قد تكون جماعة مسلحة.
قد تكون قبيلة.
قد تكون أيديولوجيا.
قد تكون قوة خارجية.
وقد تجتمع كلها في جسد واحد.
قال هنري:
— وإيران؟
قال غازي:
— إيران تقرأ المنطقة بعقل طويل النفس.
لا أقول إن سياستها صحيحة، ولا إنها لا ترتكب أخطاء، ولا إن نفوذها أبدي.
لكنها تفهم أن السياسة الإقليمية ليست مباراة تنتهي في تسعين دقيقة.
قال هنري:
— كلام واقعي جدًا.
تنهد غازي:
— بدأت أقلق على نفسي.
قال هنري:
— الآن أنت أكثر واقعية مني.
قال غازي:
— لا أظن ذلك.
أنا فقط لا أحب أن تتحول العلاقات الدولية إلى عقائد إيمانية.
التحالف أداة.
والشراكة أداة.
والقوة أداة.
والاقتصاد أداة.
والدبلوماسية أداة.
والدولة التي تقع في حب أدواتها تنسى الغاية.
قال هنري:
— وما الغاية؟
قال غازي:
— أن يبقى قرارك قادرًا على الحركة عندما يتحرك العالم.
طال الصمت.
ثم قال غازي:
— هل تعرف ما الفرق بين الإنسان والدولة يا هنري؟
قال هنري:
— قل لي.
قال:
— الإنسان يستطيع أن يموت وفي قلبه عتاب.
أما الدولة فلا تملك هذا الترف.
عليها في الصباح التالي أن تستقبل من اختلفت معه، وأن تفاوض من خاصمته، وأن تشتري ممن انتقدته، وأن تتعاون أحيانًا مع من لا تثق به تمامًا.
لأن حياة الدول أطول من غضب الرجال.
قال هنري:
— هذه هي السياسة.
قال غازي:
— وهذه أيضًا إحدى حكمها.
قال هنري:
— إذن لا مكان للوفاء؟
قال غازي:
— هناك مكان للمصداقية.
وهذا أهم.
قال هنري:
— ما الفرق؟
قال غازي:
— الوفاء مفهوم شخصي.
أما المصداقية السياسية فهي أن يعرف الآخر أنك ستفعل ما قلت إنك ستفعله، وأن يعرف حدودك، وأن تعرف حدوده.
لا تحتاج الدول أن تحب بعضها.
يكفي أحيانًا أن تفهم بعضها جيدًا.
قال هنري:
— ماذا يبقى إذن إذا تغيرت القوة؟
قال غازي:
— هذا هو السؤال.
المال قد ينقص.
والنفط قد تتغير أهميته.
والرؤساء يتغيرون.
والعدو قد يصبح شريكًا.
والشريك قد يصبح منافسًا.
والتقنية تقلب قواعد الردع.
والأسواق تفتح وتغلق.
أما الدول التي تعبر القرون فلا تعبرها لأنها اختارت الطرف المنتصر دائمًا.
بل لأنها امتلكت قدرة تجعلها باقية حتى عندما يخطئ العالم في حساباته.
قال هنري:
— ما زلت تبحث عن اليقين.
قال غازي:
— بالعكس.
أنا أبحث عن القدرة على العيش بلا يقين.
ثم ابتسم.
— أتدري يا هنري؟ ربما كانت أكبر أوهام السياسة الدولية أننا نسميها «نظامًا دوليًا».
قال هنري:
— ولماذا هي وهم؟
قال غازي:
— لأن كلمة «نظام» توحي بأن أحدًا رتّب الغرفة.
بينما التاريخ في الحقيقة غرفة دخل إليها مئة رجل، كل واحد يحمل كرسيه، ثم قضوا ثلاثة قرون يتجادلون أين يجلسون.
ضحك هنري طويلًا.
ثم قال:
— وهذه أفضل عبارة قلتها.
قال غازي:
— لأنك رأيت نفسك فيها.
قام هنري وكأنه يستعد للمغادرة.
قال غازي:
— بقي سؤال.
— دائمًا لديك سؤال أخير.
قال غازي:
— افترض أن دولة سألتك: كيف أتعامل مع قوة عظمى؟
قال هنري:
— افهم مصالحها.
قال غازي:
— جواب جيد.
— وأنت؟
قال غازي:
— أقول لها:
افهمي مصالحها، نعم.
لكن قبل ذلك افهمي مصالحك أنت.
واعرفي لماذا تحتاج إليك، كما تعرفين لماذا تحتاج إليها.
فالدولة التي تعرف فقط ما تحتاجه من الآخرين تدخل التفاوض بنصف عقل.
والدولة التي تعرف أيضًا ما يحتاجه الآخرون منها تبدأ التفاوض كاملة السيادة.
قال هنري:
— إذن انتهينا إلى المصلحة.
قال غازي:
— لا.
انتهينا إلى الوعي.
أنت جعلت القوة مركز السياسة.
وأنا أقول إن أخطر أنواع القوة هي أن تعرف قيمتك قبل أن يحددها لك الآخرون.
مد هنري يده.
صافحه غازي.
قال هنري:
— بقي سؤالك الأول.
— أي سؤال؟
— من يكتب التاريخ؟
نظر غازي إليه طويلًا.
ثم قال:
— الأقوياء يكتبون كثيرًا منه.
قال هنري:
— كنت أعرف.
أكمل غازي:
— لكنهم لا يملكون النسخة الأخيرة.
— ومن يملكها؟
قال غازي:
— من يبقى بعد أن تتغير القوة.
استدار هنري ليغادر.
وقبل أن يمضي سأله غازي:
— هنري؟
— نعم؟
— لو أعدت كتابة تاريخ الشرق الأوسط، ماذا ستغير؟
فكر طويلًا.
ثم قال:
— لا أعتقد أن التاريخ يسمح بإعادة الكتابة.
قال غازي:
— هذه أول إجابة متواضعة أسمعها منك.
ابتسم هنري:
— وأنت؟ ماذا كنت ستغير؟
قال غازي:
— سؤالًا واحدًا.
— أي سؤال؟
قال:
— أمضت منطقتنا زمنًا طويلًا تسأل:
من يقف مع من؟
وكان ينبغي أن تسأل قبل ذلك:
من يستطيع أن يقف وحده حين تتغير الصفوف؟
ومضى هنري.
وبقي السؤال.
التعليقات (0)
كن أول من يشارك رأيه حول المقالة.